برشلونة وسلافيا براغ: انتصار مُمتع يخفي أسئلة دفاعية وقلق أوروبي
ما يُميز برشلونة في السنوات الأخيرة، خاصة تحت قيادة هانز فليك، أنه فريق لا يُحب الانتصارات السهلة الخالية من المتعة. برشلونة لا يدخل أي مباراة بعقلية “إنهاء الواجب”، بل يُصر دائمًا على أن يمنح جمهوره مباراة تستحق المشاهدة، سواء كان الخصم قويًا أو على الورق أضعف. كأن النادي يقول لمشجعيه: طالما جلستم أمام الشاشة، أو دفعتم اشتراك القناة، فأنتم تستحقون كرة قدم حقيقية، مليئة بالإيقاع، والتمرير، والتشويق.
وهذا ما حدث بالفعل في مواجهة سلافيا براغ بدوري أبطال أوروبا. مباراة بدت سهلة نظريًا، لكنها تحولت إلى اختبار حقيقي، ليس بسبب قوة الخصم بقدر ما كان نتيجة أخطاء دفاعية أربكت الحسابات، قبل أن ينجح برشلونة في استعادة السيطرة واكتساح اللقاء بنتيجة 4-2.
بداية جيدة… لكن دون حذر دفاعي
دخل برشلونة المباراة بشكل قوي، بتمركز جيد، وتدرج ممتاز في بناء الهجمة من الخلف. الفريق اعتمد على الاستحواذ الذكي، والتحركات بين الخطوط، خاصة عبر فيرمين لوبيز الذي لعب دورًا مهمًا في الربط بين الوسط والهجوم، مع استغلال تحركات روني بردغجي على الطرف الأيمن، وتميزه في إرسال العرضيات العكسية التي أربكت دفاع سلافيا.
أول إنذار حقيقي جاء مبكرًا عبر تسديدة لفيمين لوبيز من خارج المنطقة، مرت فوق العارضة بقليل، وكانت بمثابة إعلان نوايا مبكر. برشلونة كان مسيطرًا، ويمتلك وضوحًا هجوميًا، لكن ما لم يكن في الحسبان هو الطريقة التي قرر بها سلافيا براغ مهاجمة مرمى برشلونة.
سلاح الركنيات… نقطة ضعف قاتلة
سلافيا براغ دخل المباراة بفكرة واضحة وبسيطة: الكرات الثابتة، وتحديدًا الركنيات. الفريق التشيكي اعتمد بشكل شبه كامل على تنفيذ الركنيات بطريقة ذكية، عبر القائم القريب ثم إعادة الكرة للقائم البعيد، وهي خطة شاهدناها كثيرًا، لكنها نادرًا ما تُنفذ بهذا الإتقان.
الهدف الأول لسلافيا جاء بهذه الطريقة، وسط غياب رقابة واضحة من إيريك غارسيا، وتأخر في التغطية، إضافة إلى خروج غير موفق من الحارس. الهدف أربك برشلونة، وفتح باب الأسئلة حول التنظيم الدفاعي في الكرات الثابتة، وهو ملف يبدو أنه ما زال مقلقًا داخل منظومة فليك.
والمشهد تكرر مرة أخرى، لكن هذه المرة بصورة أكثر قسوة، عندما سجّل روبرت ليفاندوفسكي هدفًا عكسيًا في مرماه من ركنية أخرى، ليؤكد أن المشكلة لم تكن جودة الخصم فقط، بل سوء تعامل دفاعي واضح.
رد فعل هجومي يعكس شخصية الفريق
رغم استقبال الهدف المبكر، لم يفقد برشلونة توازنه. الفريق واصل اللعب بهدوء، واستعاد السيطرة تدريجيًا، حتى جاءت لحظة التعادل عبر هدف جميل من فيرمين لوبيز، بعد لعبة جماعية مميزة بدأت بلمسة ذكية من بيدري، ثم تمريرة من دي يونغ، قبل أن يضع فيرمين الكرة في زاوية ضيقة بطريقة رائعة.
لم تمر دقائق حتى عاد برشلونة للتقدم بهدف ثانٍ، مرة أخرى بتوقيع فيرمين لوبيز، الذي استغل المساحة وسدد من خارج المنطقة بثقة كبيرة. الهدف منح الفريق أفضلية واضحة، وأكد أن الحلول الهجومية موجودة حتى في ظل غياب التألق من بعض النجوم.
ليفاندوفسكي… أداء مقلق رغم الأهداف
بعيدًا عن الأرقام، قدم روبرت ليفاندوفسكي واحدة من أضعف مبارياته هذا الموسم. تحركات بطيئة، فقدان للكرة، وتأخر في اتخاذ القرار. وحتى الهدف الذي سجله لاحقًا لا يُخفي حقيقة أن المهاجم البولندي بدا بعيدًا عن مستواه المعتاد.
برشلونة عوّض ذلك بقدرات لاعبيه الفردية، وبالتحديد عبر لاعبي الوسط الذين نجحوا في كسر خطوط الخصم، لكن استمرار هذا التراجع في مستوى ليفاندوفسكي قد يطرح تساؤلات مستقبلية، خاصة في المباريات الكبرى.
إصابة بيدري… القلق الأكبر
أسوأ ما في المباراة لم يكن الأهداف المستقبلة، بل إصابة بيدري وخروجه من الملعب. لحظة الإصابة أثارت قلق الجهاز الفني والجماهير، خاصة أن الفريق يعاني هذا الموسم من كثرة الإصابات العضلية.
دخول داني أولمو بدلًا من بيدري كان نقطة تحول إيجابية، حيث سجل أولمو هدفًا رائعًا، يُعد من أجمل أهداف الجولة، مؤكداً قيمته الفنية وقدرته على صنع الفارق.
تعرض لاعب وسط برشلونة بيدري لانزعاجات في العضلة الخلفية للفخذ، مما أدى إلى سقوطه وعدم قدرته على إكمال المباراة، ويُرجح أن يكون السبب الشائع لهذه الإصابة هو التسارع أو الركض المفاجئ.
وبناءً على شدة الإصابة، تتراوح مدة غيابه بين 3 أيام إلى أسبوعين في أفضل الأحوال، و4 إلى 8 أسابيع في أسوأ الأحوال، مع انتظار نتائج الفحوصات الطبية لتحديد التفاصيل بدقة.
وبسبب هذه الإصابة، سيتغيّب بيدري عن عدد من المباريات المقبلة، أبرزها مواجهات أوفييدو، كوبنهاجن، إلتشي، أتلتيك بلباو، مايوركا، جيرونا، وليفانتي، حيث يعمل الجهاز الطبي على تأمين برنامجه العلاجي والوقائي لتفادي تفاقم الإصابة، مع الحرص على تجهيز اللاعب بشكل كامل قبل عودته للمشاركة مجددًا في المباريات
الشوط الثاني… حسم دون فوضى
في الشوط الثاني، بدا برشلونة أكثر هدوءًا ونضجًا. الفريق قرر إنهاء الأمور مبكرًا دون الدخول في حسابات معقدة، ونجح بالفعل في تسجيل الهدف الثالث، ثم الرابع عبر ليفاندوفسكي، ليُنهي اللقاء بنتيجة كبيرة تعكس الفارق الفني بين الفريقين.
لكن رغم الفوز، لم تختفِ الأسئلة الدفاعية، خاصة في التعامل مع الركنيات والكرات الثابتة، وهو ملف يبدو أنه يحتاج إلى معالجة عاجلة من هانز فليك.
الحسابات الأوروبية… الخطر لم ينتهِ
على مستوى الترتيب، يتواجد برشلونة في المركز التاسع بدوري أبطال أوروبا، ما يعني أنه ليس ضمن الثمانية الأوائل حتى الآن، وقد يُضطر لخوض مباريات الملحق للتأهل إلى دور الـ16.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. الملحق غالبًا ما يكون مليئًا بفرق “عنيدة” مثل مانشستر سيتي، أتلتيكو مدريد، إنتر، يوفنتوس، أو فرق منظمة مثل موناكو وباير ليفركوزن. مباريات إضافية تعني ضغطًا بدنيًا، وإرهاقًا، واحتمالية إصابات جديدة، وهو آخر ما يحتاجه برشلونة في هذا التوقيت.
الفريق يملك فرصة جيدة لتجنب ذلك، خاصة أن المباراة الأخيرة ستكون على ملعب كامب نو أمام كوبنهاغن، وهي مباراة يُفترض نظريًا أنها في المتناول، بشرط عدم التهاون وانتظار تعثر أحد المنافسين المباشرين في الترتيب.
نهاية المشهد
برشلونة فاز، وأمتع، وأكد شخصيته الهجومية، لكنه في المقابل كشف عن ثغرات دفاعية لا يمكن تجاهلها. الفريق يملك الجودة، والهوية، والقدرة على الحسم، لكنه يحتاج إلى صلابة أكبر في التفاصيل الصغيرة، لأن دوري أبطال أوروبا لا يرحم الأخطاء المتكررة.
الانتصار مهم، لكن المرحلة القادمة ستُحدد إن كان برشلونة قادرًا على المنافسة الحقيقية، أم أنه سيكتفي بدور المُمتع الذي يدفع ثمن أخطائه في اللحظات الحاسمة.