ريال مدريد بعد التوقف الدولي: استفاقة حقيقية أم لحظة عابرة؟
كان ريال مدريد من أكثر الفرق التي انتظرت التوقف الدولي الأخير بفارغ الصبر. أسبوعان كاملان مرّا على جماهير الميرينغي كأنهما دقائق معدودة، لكن الفريق عاد وكأنه استغل كل ثانية فيهما على أكمل وجه. السؤال الذي طرح نفسه منذ الدقائق الأولى بعد العودة: ماذا حدث في هذا الفريق؟ هل كان اللاعبون يحتفلون برأس السنة والكريسماس، أم أنهم كانوا “يذاكرون” كرة القدم بجدية غير معتادة؟بعيدًا عن “الهدف المتلقى” المعتاد لطرد الحسد، عاد ريال مدريد وهو أكثر تركيزًا، أكثر حيوية، وأكثر وعيًا بما يريد أن يقدمه داخل الملعب. مباراة ريال بيتيس لم تكن مجرد فوز جديد يُضاف إلى الرصيد، بل كانت عرضًا كرويًا حمل العديد من الرسائل الفنية والتكتيكية التي تستحق التوقف عندها.
هيمنة حقيقية… ولكن هذه المرة بكرة قدم ممتعة
منذ البداية، بدا واضحًا أننا لا نشاهد ريال مدريد التقليدي الذي يكتفي بالسيطرة السلبية أو الفوز بأقل مجهود. هذه المرة كانت الهيمنة مختلفة؛ هيمنة بالكرة، بالأداء، وبالرغبة في الإمتاع. الفريق كان يلعب ليُرضي جمهوره، ليعيد الإحساس بأن مشاهدة ريال مدريد تجربة ممتعة وليست مجرد انتظار لهدف متأخر.الجماهير في المدرجات كانت سعيدة، تشاهد فريقها يضغط، يتحرك، يهاجم، ويصنع الفرص. لكن خلف هذا الأداء، كان هناك اسم تصدّر المشهد بالكامل، وفرض نفسه كعنوان رئيسي للحديث: جونزالو غارسيا.
جونزالو غارسيا… قصة موهبة خرجت من الثلاجة
جونزالو غارسيا هو الدليل الحي على التحول الذي طرأ على فكر تشابي ألونسو. هذا اللاعب الذي عرفه جمهور ريال مدريد في كأس العالم للأندية عندما غاب كيليان مبابي بسبب التسمم، وقدم حينها بطولة كبيرة، بل وكان من هدافي الفريق في المسابقة.بعد تلك البطولة، دخل غارسيا ما يمكن تسميته بـ”الثلاجة الأبدية”، وهو المصير المعتاد لأي لاعب شاب يتألق ثم يختفي فجأة في عهد أنشيلوتي. لكن قصة جونزالو كانت مختلفة؛ النادي قرر الإبقاء عليه كخيار احتياطي حقيقي في خط الهجوم، وأرسل بذلك رسالة غير مباشرة لإندريك بأن فرصه ستكون محدودة.
ورغم ذلك، اختفى جونزالو مجددًا، ولم نعد نراه إلا في لقطات عابرة، حتى جاء يوم إصابة مبابي، ليُمنح الفرصة أخيرًا كأساسي أمام ريال بيتيس.
هاتريك لا يُسجل بالصدفة
جونزالو غارسيا لم يكتفِ بالمشاركة، بل قدّم واحدة من أفضل مبارياته على الإطلاق، وسجّل هاتريك من النوع الثقيل. لم يكن هاتريك “الحظ والمكان الصحيح”، بل أهداف متنوعة تعكس جودة مهاجم متكامل:الهدف الأول: جملة تكتيكية رائعة، تحرك ذكي خلف الدفاع، وإنهاء هادئ.
الهدف الثاني: استلام على الصدر وتسديدة طائرة، تذكّرنا بمهاجمي الزمن الجميل.
الهدف الثالث: لمسة بالكعب على طريقة رابح ماجر بعد تمريرة من أردا غولر.
السؤال الكبير: لماذا غاب كل هذا الوقت؟
إذا كان جونزالو غارسيا جزءًا من خطة المدرب، فلماذا لم يحصل على دقائق أكثر في المباريات السابقة؟ اللاعب جدد عقده، اختار البقاء، وأثبت أنه قادر على تقديم الإضافة. ما حدث يفتح تساؤلات حقيقية حول إدارة المواهب داخل الفريق، خاصة في ظل اعتماد مبالغ فيه على كيليان مبابي، رغم أن وجود بدائل جاهزة يخفف الضغط ويزيد التنوع الهجومي.
تشابي ألونسو… لا تُصلح ما يعمل
هنا نصل إلى النقطة الأهم. تشابي ألونسو، رغم خبرته الكبيرة مع مدربين عظماء، يحتاج أحيانًا لتطبيق مبدأ بسيط اشتهر به إرنستو فالفيردي:“طالما الشيء يعمل… استمر به.”
التشكيلة الحالية بدت متوازنة:
روديغر وأسينسيو في القلب الدفاعي حتى عودة دين هويسن.
فالفيردي كظهير أيمن، وكاريراس يسارًا.
وسط ميدان متحرك بوجود كامافينغا، تشواميني، وبيلينغهام.
رودريغو، فينيسيوس، وجونزالو في الأمام.
كل شيء بدا متناغمًا. الحل الوحيد الممكن هو منح أردا غولر وقتًا أكبر، لا أكثر.
السوبر الإسباني… وموعد اختبار حقيقي
ريال مدريد الآن يدخل بطولة السوبر الإسباني في السعودية بثقة عالية. أول مباراة ستكون ديربي ناري أمام أتلتيكو مدريد. في مثل هذه المواجهات، العبث بالتشكيلة قد يكون قاتلًا. سيميوني لا ينسى، وإذا وجد ثغرة سيستغلها إلى الأبد.الاستمرار بنفس النهج، بنفس الأسماء، هو الخيار الأذكى.
فينيسيوس… والاحتواء المطلوب
لقطة صافرات الاستهجان ضد فينيسيوس جونيور في الدقيقة 77 كانت مؤلمة. اللاعب يمر بفترة صعبة، داخل الملعب وخارجه.دفاع ريال مدريد… وانتظار دين هويسن
رغم الفوز الكبير، لا تزال هناك لحظات “فوضى” دفاعية تذكّرنا بثنائيات عشوائية من الماضي. عودة دين هويسن ستكون مفتاح الاتزان الحقيقي، لأنه يمنح الخط الخلفي قيادة وهدوءًا مفقودين.
لماذا الدفاع عن تشابي ألونسو؟
الدفاع عن تشابي ألونسو لا يعني أنه بلا أخطاء، بل لأن البدائل أسوأ. في حال رحيله، الخيارات المتاحة لا تبشر بالخير: سانتياغو سولاري، راؤول غونزاليس، أو حلول مؤقتة تعيد الفريق لنقاشات عقيمة.رحيل ألونسو الآن سيكون رسالة خطيرة مفادها أن اللاعبين فوق المنظومة، وأن المشروع لا قيمة له.
أبرز التصريحات بعد المباراة:
التصريحات التي أعقبت المباراة لم تكن أقل أهمية من الأداء داخل الملعب، بل عكست حالة نادرة من الانسجام والوعي الجماعي داخل ريال مدريد. البداية كانت مع غونزالو غارسيا، الذي قدّم درسًا في الاحتراف والنضج رغم تألقه اللافت. اللاعب لم ينظر إلى قلة دقائق لعبه من زاوية الظلم أو التهميش، بل تعامل مع الأمر بمنطق الفريق، مؤكدًا أن جلوسه على الدكة سببه وجود كيليان مبابي، الذي وصفه دون تردد بأنه أفضل لاعب في العالم.أرسل ألفارو كاريراس رسالة تفاؤل واضحة لجماهير ريال مدريد، حين أكد أن الفريق بدأ العام الجديد بفوز عظيم في سانتياغو برنابيو، وأن الأنظار الآن تتجه بالكامل نحو كأس السوبر الإسباني. تصريح كاريراس عكس حالة التركيز والجدية داخل غرفة الملابس، وكأن اللاعبين يدركون أن ما تحقق أمام ريال بيتيس ليس نهاية الطريق، بل مجرد بداية لمرحلة حاسمة تحتاج إلى الاستمرارية والبناء على هذا الزخم.
أما تشابي ألونسو، فكان حضوره في المؤتمر الصحفي هادئًا وحاسمًا في الوقت ذاته. سعادته بغونزالو غارسيا لم تكن فقط بسبب الهاتريك، بل بسبب الطريقة التي لعب بها، والتزامه، وفهمه لدوره داخل المنظومة. المدرب أظهر دعمه الواضح للاعب، في إشارة تؤكد أن ما قدمه غونزالو لن يمر مرور الكرام. وفي الملف الأكثر حساسية، ملف فينيسيوس جونيور، اختار تشابي ألونسو أن يكون درعًا للاعبه أمام صافرات الاستهجان. هذا الخطاب لم يكن موجّهًا للإعلام فقط، بل كان رسالة طمأنة لفينيسيوس نفسه، ورسالة أخرى للجماهير بأن المدرب يثق بلاعبيه ويدير الأزمات بعقل بارد.